نذير حمدان

6

حكمة القرآن والحضارة

ذلك وساد أوروبا ظلام طويل استمر ألف سنة انتظر العالم فيها بعث الفلسفة من جديد وزاد انتشار الديانات الخرافية الغامضة التي كانت قد تأصلت في نفوس الهيلنيين الأكثر فقرا ، وانتشرت في كل جانب ووجدت روح الاستسلام والجمود الشرقية تربة خصبة صالحة في اليونان المضمحلة اليائسة ، ولم يكن استقدام الفلسفة الرواقية أو الزينونية التي جاء بها التاجر الفينيقي زينون إلى أثينا حوال عام ( 310 ق . م ) سوى وجه واحد للتسرب الشرقي الواسع الذي دخل إلى اليونان ، لقد كان المذهب الرواقي والأبيقوري استسلاما وقبولا للهزيمة ، وجهودا لمحاولة نسيان الهزيمة في أحضان اللذة والسرور ، ونظريات حول كيفية بلوغ الإنسان السعادة على الرغم من ذلك الاستعباد والخضوع . تماما كما كانت فلسفة شوبنهور الرواقية الشرقية المتشائمة ، وفلسفة رينان الأبيقورية اليائسة في القرن التاسع عشر شعارات للثورة المبعثرة وفرنسا المحطمة « 1 » . وهكذا فإن شحوب الفكر الفلسفي بعد عصر الحكماء وعمالقته الأقدمين المشهورين : سقراط وأفلاطون وأرسطو ، والمدارس والتيارات السابقة جعل ينابيع الحكمة المتجددة تنضب حتى عاشت على رواسبه العصور الوسيطة وأوائل العصر الحديث الذي تأثر قليلا أو كثيرا بالفلسفة القديمة ، وبالغت الصوفية الهندية في الانسلاخ من الحياة واعتزال فلاسفتها عنها معتمدة بشكل مباشر وغير مباشر على حشد كبير من الآلهة والمعابد الوثنية التي كانت تغذي بالوهم الجانب الروحي في الإنسان على حساب الجانب المادي فيه . وانعدمت التيارات المذهبية والمدارس في حكمة العرب ضمن نظريات كلية ومفاهيم عامة ، واقتصرت على نظرات ثاقبة وتجارب فردية هنا وهناك لدى بعض الخطباء والشعراء والحكماء من أمثال زهير بن أبي سلمى وقس بن ساعدة وأميّة بن أبي الصلت ولبيد ، ولدى بعض الحكام أمثال : أكثم بن صيفي وعامر بن الظرب وعبد المطلب « 2 » .

--> ( 1 ) ول ديورنت : قصة الفلسفة 125 ، 127 ، 128 ثم تحدث عن مصير الفلسفة أنها أصبحت معدة لدين جديد ويقصد به المسيحية بينما لم يتحدث بشيء عن الإسلام وحكمته طول ألف سنة عاشتها أوروبا في عصر الظلام . ( 2 ) انظر بقيتهم في القاموس المحيط ، مادة : حكم